الثلاثاء، 12 نوفمبر 2013

جهاد النفس عند اهل البيت (3-3) [كيفية السيطرة على الخيال]

جهاد النفس عند اهل البيت (1-3) [يا نفس ذوبي من الخجل]
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلِ على محمد وعجل فرجهم


اقتطف موضوعي من كتاب الاربعون حديث كتاب رائع يذكر اربعين حديث هام من اهل البيت عليهم السلام ويشرحه باسلوب رائع وقيم .. اقروهـ كامل لانه بجد قيم و مؤثر

لا-تجعل-الله-اهون-الناظرين-

"جهَـاد النفــس" 

عن أبي عبدالله ( الإمام جعفر الصادق عليه السّلام )
أن النبيَّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، بَعَثَ سَرَيَّةً، فَلَمَّا  رَجَعُوا
قال: مرْحَباً بِقَوْم قضوا الجهادَ الأصْغَر
وَبَقِىَ عَلَيْهِمُ الجِهادُ الأكْبَر
فقيل: يَا رَسْولَ الله وَمَا الجِهَادُ الأَكْبَر؟
قال:"جِهَادُ النفسَ"

( فروع الكافي، ج 5، كتاب   الجهاد، باب وجوه الجهاد، ص 3 ).


الشرح:

إن"السرية"قطعة من الجيش. ويقال خير السرايا أربعمائة
رجل. وأما باقي مفردات الحديث فواضحة.

اعلم أن الإنسان كائن عجيب، له نشأتان وعالمان:
1\ نشأة ظاهرية ملكية دنيوية هي بدنه
2\ ونشأة باطنية غيبية ملكوتية تكون من عالم آخر

إن لروح الإنسان التي هي من عالم الغيب والملك وتلك مقامات ودرجات قسَّموها بصورة عامة إلى سبعة أقسام حيناً، وإلى أربعة أقسام حيناً ثانياً، وإلى ثلاثة أقسام حيناً ثالثاً، وإلى قسمين حيناً رابعاً.


ولكل من المقامات والدرجات جنود رحمانية وعقلانية تجذب النفس  نحو الملكوت الأعلى وتدعوها السعادة.
وجنود شيطانية وجهلانية تجذب النفس نحو الملكوت السفلي وتدعوها للشقاء.
وهناك دائماً جدال ونزاع بين هذين المعسكرين، والإنسان هو ساحة حربهما، فإذا تغلبت جنود الرحمن كان الإنسان من أهل السعادة والرحمة و انخرط في سلك الملائكة وحُشِرَ في زمرة الأنبياء والأولياء والصالحين.

وأما إذا تغلب جند الشيطان ومعسكر الجهل، كان الإنسان من أهل الشقاء والغضب (مغضوب لله سبحانه )، وحُشِرَ في زمرة الشياطين والكفار والمحرومين.

وحيث أن هذه الأوراق ليست محلاً للتفصيل والشرح، أشير هنا بصورة إجمالية إلى مقامات النفس وأوجه سعادتها وتعاستها، وأوضّح كيفية مجاهدتها إن شاء الله


المقام الأول وفيه عدة فصول

1\ فصل إشارة إلى المقام الأول للنفس


اعلم أن مقام النفس الأول ومنزلها الأدنى والأسفل، هو منزل الملك والظاهر وعالمهما.
وفي هذا المقام تتألق الأشعة والأنوار الغيبية في هذا الجسد المادي والهيكل الظاهري، وتمنحه الحياة العرضية، وتجهز فيه الجيوش، فتكون ساحة معركة النفس وجهادها نفس هذا الجسد، وجنودها هي قواها الظاهرية التي وجدت في الأقاليم الملكية السبعة
وهي:
"الأذن والعين واللسان والبطن والفرج واليد والرجل". 

وتكون جميع هذه القوى المتوزعة في تلك الأقاليم السبعة، تحت تصرف النفس في مقام الوهم، فالوهم سلطان جميع القوى الظاهرية والباطنية للنفس، فإذا تحكم الوهم على تلك القوى سواء بذاته - مسقلاً - وبتدخل الشيطان، جعلها - أي تلك القوى - جنوداً للشيطان، بذلك يجعل هذه المملكة تحت سلطان الشيطان، وتنهزم عندها جنود الرحمن والعقل، وتتوارى وتخرج من نشأة الملك وعالم الإنسان وتهاجر عنه، وتصبح هذه المملكة خاصة بالشيطان.  

  وأما إذا خضع الوهم لحكم العقل والشرع، وكانت حركاته وسكناته مقيدة بنظام العقل والشرع، فقد أصبحت هذه المملكة مملكة روحانية وعقلانية، ولم يجد الشيطان وجنوده محط قدم لهم فيها.


إذاً، يكون جهاد النفس في هذا المقام، عبارة عن انتصار الإنسان على قواه الظاهرية، وجعلها مؤتمرة بأمر الخالق، وعن تطهير المملكة من دنس وجود قوى الشيطان وجنوده. 


2\ فصل في التفكر 

إعلم أن أول شرط مجاهدة النفس والسير بإتجاه الحق تعالى، هو"التفكر"، وقد وضعه بعض علماء الأخلاق في بدايات الدرجة الخامسة، وهذا -التصنيف - صحيح في محله أيضا.
التفكر في هذا المقام هو أن يفكر الإنسان بعض الوقت في أن مولاه الذي خلقه في هذه الدنيا،   ووفّر له كل أسباب الدعة والراحة، ووهبه جسماً سليماً وقوى سالمة ذات منافع   تحيِّر ألباب الجميع، والذي رعاه وهيَّأ له كل هذه السعة وأسباب النعمة والرحمة من جهة
وأرسل جميع هؤلاء الأنبياء، وأنزل كلّ هذه الكتب"الرسالات"، وأرشد ودعا إلى الهدى من جهة أخرى ...
 
هذا المولى ماذا يستحق منا؟
وما هو واجبنا تجاه مالك الملوك هذا؟!.
هل أن وجود جميع هذه النعم، هو فقط لأجل هذه الحياة   الحيوانية وإشباع الشهوات التي نشترك فيها مع الحيوانات أو أن هناك هدفاً وغاية أخرى؟.
هل أن للأنبياء الكرام، والأولياء العظام، والحكماء الكبار، وعلماء كل أمة الذين يدعون الناس إلى حكم العقل والشرع ويحذرونهم من الشهوات الحيوانية ومن هذه الدنيا البالية، عداءً ضد الناس أم أنهم كانوا مثلنا لا يعلمون طريق صلاحنا نحن المساكين المنغمسين في الشهوات؟!.

 
إن الإنسان إذا فكَّر لحظة واحدة،عرف أن الهدف من هذه النعم هو شيء آخر، وأن الغاية من هذا الخلق أسمى و أعظم، وأن هذه الحياة الحيوانية ليست هي الغاية بحدَّ ذاتها، وأن على الإنسان العاقل أن يفكر بنفسه، وأن يترحم على حاله ونفسه المسكينة، ويخاطبها قائلاً:

 أيتها النفس الشقية التي قضيت سني عمرك الطويلة في الشهوات، ولم يكن نصيبك سوى الحسرة والندامة، ابحثي عن الرحمة، وأستحي من مالك الملوك، وسيرى قليلاً في طريق الهدف الأساسي المؤدي إلى حياة الخلد والسعادة السرمدية، ولا تبيعي تلك السعادة بشهوات أيام قليلة
فانية، التي لا تتحصل حتى مع الصعوبات المضنية الشاقة.   

فكّري قليلا في أحوال أهل الدنيا، من السابقين واللاحقين وتأملي متاعبهم وآلامهم كم هي أكبر وأكثر بالنسبة إلى هنائهم، في نفس الوقت الذي لا يوجد فيه هناء وراحة
لأي شخص.
أن الذي يكون في صورة الإنسان ولكنه من جنود الشيطان وأعوانه، والذي يدعوك إلى الشهوات، ويقول: يجب ضمان الحياة المادية

تأمل قليلاً في حال نفس ذلك الإنسان واستنطقه، و أنظر هل هو راضٍ عن ظروفه
أم أنه مبتلٍ ويريد أن يبلي مسكيناً آخر؟!.
 وعلى أي حال، فادع ربك بعجز وتضرع أن يعينك على أداء واجباتك التي ينبغي أن تكون أساس العلاقة فيما بينك وبينه تعالى، والمأمول أن يهديك هذا التفكير المنبعث عن نية مجاهدة الشيطان والنفس الأمارة إلى طريق آخر ويوفقك للرقي إلى منزلة أخرى من منازل المجاهدة.


3\ فصل في العزم 

   وهناك مقام آخر يواجه الإنسان المجاهد بعد التفكر، وهو مقام العزم ( وهذا هو غير الإرادة التي عدّها الشيخ الرئيس في الإشارات أولى درجات العارفين ).
يقول أحد مشايخنا أطال الله عمره: "إنَّ‎‎ العزم هو جوهر الإنسانية، ومعيار ميزة الإنسان، وأن اختلاف درجات الإنسان باختلاف درجات عزمه". 

والعزم الذي يتناسب وهذا المقام، هو 
أن يوطن الإنسان نفسه على ترك المعاصي وأداء الواجبات، ويتخذ قراراً
بذلك، ويتدارك ما فاته في أيام حياته، وبالتالي يسعى على أن يجعل من ظاهره إنساناً عاقلاً وشرعياً، بحيث يحكم الشرع والعقل حسب الظاهر بأن هذا الشخص إنسان.
والإنسان الشرعي هو الذي ينظم سلوكه وفق ما يتطلبه
الشرع، يكون   ظاهره كظاهر الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلم، يقتدي بالنبي العظيم صلّى الله عليه وآله وسلم ويتأسى به في جميع حركاته وسكناته، وفي جميع ما يفعل وما يترك.
وهذا أمر ممكن، لأن جعل الظاهر مثل هذا القائد أمر مقدور لأيّ فرد من عباد الله. 


وأعلم ... أن طي أي طريق في المعارف الإلهية، لا يمكن إلاّ بالبدء بظاهر الشريعة، وما لم يتأدب الإنسان بآداب الشريعة الحقة، لا يحصل له شيء من حقيقة الأخلاق الحسنة، كما لايمكن أن يتجلى في قلبه نور المعرفة وتتكشف له العلوم   الباطنية وأسرار الشريعة.
وبعد انكشاف الحقيقة، وظهور أنوار المعارف في قلبه لا بد من الاستمرار في التأدب بالآداب اشرعية الظاهرية أيضاً.

ومن هنا نعرف بطلان دعوى من يقول: 
( إنّ الوصول إلى العلم الباطن يكون بترك العلم الظاهر )، أو ( لا حاجة إلى الآداب الظاهرية بعد الوصول إلى العلم الباطن).
وأن هذه الدعوى ترجع إلى جهل من يقول بها، وجهله بمقامات العبادة ودرجات الإنسانية.
ولعلّي أتوفق لبيان بعض هذا الأمر في هذه الأوراق إن شاء الله تعالى. 


4\ فصل ( في السعي للحصول على العزم )

أيها العزيز ... أجتهد لتصبح ذا عزم وإرادة، فإنك إذا رحلت من هذه الدنيا دون أن يتحقق فيك العزم ( على ترك المحرمات ) فأنت إنسان صوري، بلا لب، ولن تحشر في ذلك العالم ( عالم الآخرة ) على هيئة إنسان، لأن ذلك العالم هو محل كشف الباطن وظهور السريرة، وأن التجرؤ على المعاصي يفقد الإنسان تدريجياً، العزم ويختطف منه هذا الجوهر الشريف.
يقول الأستاذ المعظم دام ظله: "إنَّ أكثر ما يسبب على فقد الإنسان العزم والإ رادة هو الاستماع للغناء".

إذاً، تجنب يا أخي المعاصي، وأعزم على الهجرة إلى الحق تعالى، وأجعل ظاهرك ظاهراً إنسانياً، وأدخل في سلك أرباب الشرائع، وأطلب من الله تعالى في الخلوات العون على بلوغ هذا الهدف وأستشفع برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام حتى يوفقك الله على ذلك، ويعصمك من المزالق التي تعترضك، لأن هناك مزالق كثيرة تعترض الإنسان أيام حياته، ومن الممكن أنه في لحظة واحدة يسقط في مزلق مهلك، يعجز من السعي لإنقاذ نفسه، بل قد
لا يهتم بإنقاذ نفسه، بل ربما لا تشمله حتى شفاعة الشافعين. نعوذ بالله منها.

 
5\ فصل في المشارطة والمراقبة والمحاسبة

    ومن الأمور الضرورية للمجاهد: "المشارطة والمراقبة   والمحاسبة".
فالمشارط هو الذي يشارط نفسه في أول يومه على أن لا يرتكب اليوم أي عمل يخالف أوامر الله، ويتخذ قرارا بذلك ويعزم عليه.
وواضح أن ترك ما يخالف أوامر الله، ليوم واحد، أمر يسير
للغاية، ويمكن للإنسان بكل سهولة أن يلتزم به. 

فاعزم و شارط وجرب، وأنظر كيف أن الأمر سهل يسير.
ومن الممكن أن يصور لك إبليس اللعين وجنده أن الأمر صعب وعسير.
فادرك أن هذه هي من تلبيسات هذا اللعين، فالعنه قلباً
وواقعاً، وأخرج الأوهام الباطلة من قلبك، وجرب ليوم واحد،فعند ذلك ستصدق هذا الأمر.

وبعد هذه المشارطة عليك أن تنتقل   إلى"المراقبة"

وكيفيتها هي : أن تنتبه طوال مدة المشارطة إلى عملك وفقها، فتعتبر نفسك ملزماً بالعمل وفق ما شارطت. 

وإذا حصل - لا سمح الله - حديث لنفسك بأن ترتكب عملاً مخالفاً لأمر الله، فاعلم أن ذلك من عمل الشيطان وجنده،
فهم يريدونك أن تتراجع عمًّا اشترطته على نفسك، فالعنهم واستعذ بالله من شرهم، واخرج تلك الوساوس الباطلة من قلبك

 وقل للشيطان: "إني اشترطت على نفسي أن لا أقوم في هذا اليوم - وهو يوم واحد - بأي عمل يخالف أمر الله تعالى، وهو ولي نعمتي طول عمري، فقد أنعم وتلطّف عليًّ بالصحة والسلامة والأمن وألطاف أخرى، ولو أني بقيت في خدمته إلى الأبد لما أديت حق واحدة منها، وعليه فليس من اللائق أن لا أفي بشرط بسيط كهذا"

وآمل - إن شاء الله – أن ينصرف الشيطان، ويبتعد عنك، وينتصر جنود الرحمن.
والمراقبة لا تتعارض مع أي من أعمالك كالكسب والسفر
والدراسة، فكن على هذه الحال إلى الليل ريثما يحين وقت المحاسبة.

وأما "المحاسبة" فهي أن تحاسب نفسك لترى هل أدّيت ما اشترطت على نفسك مع الله، ولم تخن ولي نعمتك في هذه المعاملة الجزئية؟
إذا كنت قد وفيت حقاً فاشكر الله على هذا التوفيق، وإن شاء الله ييسر لك سبحانه التقدم في أمور دنياك وآخرتك،وسيكون عمل الغد أيسر عليك من سابقه، فواظب على هذا العمل فترة، والمأمول أن يتحول إلى ملكة فيك بحيث يصبح هذا العمل بالنسبة إليك سهلا ويسيراً للغاية، وستحسُّ عندها باللذة والأنس في طاعة الله تعالى وترك معاصيه، وفي هذا العالم بالذات، في حين أن هذا العالم ليس هو عالم الجزاء لكن الجزاء الإلهي يؤثر ويجعلك مستمتعاً وملتذاً - بطاعتك
لله وابتعادك عن المعصية -. 

وأعلم أن الله لم يكلفك ما يشق عليك به، ولم يفرض عليك ما لا طاقة لك به ولا  قدرة لك عليه، لكن الشيطان وجنده يصورون لك الأمر وكأنه شاق وصعب.
وإذا حدث - لا سمح الله - في أثناء المحاسبة تهاوناً وفتوراً تجاه ما اشترطت على نفسك، فاستغفر الله وأطلب العفو منه، وأعزم على الوفاء بكل شجاعة بالمشارطة غداً، وكن على هذا الحال كي يفتح الله تعالى أمامك أبواب التوفيق والسعادة، ويوصلك إلى الصراط المستقيم للإنسانية.


6\ فصل في التذكر

   ومن الأمور التي تُعين الإنسان - وبصورة كاملة - في مجاهدته للنفس والشيطان، والتي ينبغي للإنسان السالك المجاهد الانتبـاه إليـها جيداً هو "التذكر".
وبذكره نختم الحديث عن هذا المقام، على الرغم من أنه لا زال هناك الكثير من المواضيع. والذكرى في هذا المقام، هي عبارة عن ذكر الله تعالى ونعمائه التي تلطف بها على الإنسان.

وأعلم أن احترام المنعم وتعظيمه، هو من الأمور الفطرية التي جبل الإنسان عليها والتي تحكم الفطرة بضرورتها، وإذا تأمل أي شخص في كتاب ذاته، لوجده مسطوراً فيه أنه يجب تعظيم من أنعم نعمةً على الإنسان. 

وواضح أنه كلما كانت النعمة أكبر وكان المنعم أقل غرضاً، كان تعظيمه أوجب وأكثر،حسب ما تحكم به الفطرة.
فهناك مثلاً فرق واضح في الاحترام والتقدير بين شخص يعطيك"حصاناً" تلاحقه عيناه ويرمي من ورائه شيئاً، وبين الذي يهبك مزرعة كاملة ولا يمنَّ عليك.
أو مثلاً، إذا أنقذك طبيب من العمى، فستقدره وتحترمه بصورة فطرية، وإذا أنقذك من الموت كان تقديرك واحترامك له أكثر.

لاحظ الن أن النعم الظاهرة و الباطنة التي تفضل بها علينا مالك الملوك جلَّ شأنه لو أجتمع الجن والإنس لكي يعطونا واحدة منها لما استطاعوا. وهذه حقيقة نحن غافلون عنها 

فمثلاً هذا الهواء الذي ننتفع به ليلاً ونهاراً، وحياتنا وحياة جميع الموجودات مرهونة به، بحيث لو فُقد مدة ربع ساعة لما بقى هناك حيوان على قيد الحياة، هذا الهواء كم هو نعمة عظيمة، يعجز الجن والإنس جميعا عن منحنا مثيلا لها لو أرادوا أن يمنحونا ذلك؟ 

وعلى هذا فقس وتذكر قليلا كافة النعم الإلهية مثل سلامة البدن والقوى الظاهرية من قبيل البصر والسمع والتذوق واللمس، والقوى الباطنية مثل التخيّل والواهمة والعقل وغير ذلك حيث يكون لكل واحدة من هذه النعم منافع خاصة لا حد لها. 

وجميع هذه النعم وهبنا إياها مالك الملوك دون أن نطلب منه
أو يمنَّ علينا ولم يكتف بهذه النعم بل أرسل الأنبياء والرسل والكتب وأوضح لنا طريق السعادة والشقاء والجنة والنار،   ووهبنا كلّ ما نحتاجه في الدنيا والآخرة، دون أن يكون فقيرا ومحتاجا إلى طاعتنا وعبادتنا.

فهو سبحانه لا تنفعه الطاعة ولا تضره المعصية وطاعتنا وعبادتنا، وطاعتنا ومعصيتنا بالنسبة له على حد سواء، بل من أجل خيرنا ومنفعتنا نحن يأمر وينهى.  


وبعد تذكر هذه النعم والكثير الكثير من النعم الأخرى التي يعجز حقا جميع البشر عن إحصاء الكليات منها، فكيف بعدّها واحداً واحداً؟ 

بعد ذلك يُطرح السؤال التالي:
 ألا تحكم فطرتك بوجوب تعظيم منعم كهذا وما هو حكم العقل تجـاه خيانة ولي نعمة كهذا ؟!.

ومن الأمور الأخرى التي تقرّها الفطرة،احترام الشخص الكبير العظيم، ويرجع كل هذا الاحترام والتقدير الذي يبديه الناس تجاه أهل الدنيا والجاه والثروة والسلاطين والأعيان، يرجع إلى أنهم يرون أولئك كبارا وعظماء، وأيّ عظمة تصل إلى مستوى عظمة مالك الملوك الذي خلق هذه الدنيا الحقيرة الوضيعة والتي تعتبر من أصغر العوالم وأضيق النشئات، رغم كل ذلك لم يتوصل عقل أي موجود إلى إدراك كنهها وسرّها حتى الآن، بل ولم يطلع كبار المكتشفين في العالم بعد، على أسرار منظومتنا الشمسية هذه، وهي أصغر المنظومات ولا تعد شيئا، قياسا بباقي الشموس.

أفلا يجب احترام وتعظيم هذا العظيم الذي خلق هذه العوالم وآلاف الآلاف من العوالم الغيبية بإيمائه؟!.

ويجب أيضا بالفطرة، احترام من يكون حاضرا، ولهذا ترى بأن الإنسان إذا تحدث لا سمح الله عن شخص بسوء في غيبته، ثم حضر في أثناء الحديث ذلك الشخص، أختار المتحدث حسب فطرته الصمت، وأبدى له الاحترام.
ومن المعلوم أن الله تبارك وتعالى حاضر في كل مكان وتحت إشرافه تعالى تدار جميع ممالك الوجود، بل إن كلّ نفس تكون في حضرة الربوبية، وكل علم يوجد ضمن محضره سبحانه وتعالى.

فتذكري يا نفسي الخبيثة 
أي ظلم فظيع، وأي ذنب عظيم تقترفين إذا عصيت مثل هذا العظيم في حضرته المقدسة وبواسطة القوى التي هي نعمه الممنوحة لك؟

 ألا ينبغي أن تذوبي من الخجل وتغوري في الأرض لو كان لديك ذرة من الحياة؟.

إذاً: فيا أيها العزيز؛   كن ذاكرا لعظمة ربك، وتذكر نعمه وألطافه، وتذكر أنك في حضرته - وهو شاهد   عليك - فدع التمرد عليه، وفي هذه المعركة الكبرى تغلب على جنود الشيطان، وأجعل من مملكتك مملكه رحمانية وحقانية، وأحلل فيها عسكر الحق تعالى محل جنود الشيطان، كي يوفقك الله تبارك وتعالى في مقام مجاهدة أخرى، وفي ميدان معركة   أكبر تنتظرنا وهي الجهاد مع النفس في العالم الباطن، وفي المقام الثاني للنفس، وهذا ما سنشير إليه لاحقا إن شاء الله.

وأكرر التذكير بأنه في جميع الأحوال لا تعلق على نفسك الآمال لأنه لا ينهض أحد يعمل غير الله تعالى.
فاطلب من الحق تعالى نفسه بتضرع وخشوع، كي يعينك في هذه المجاهة لعلك تنتصر. إنه ولي التوفيق.



لازال للبحث بقيه ترقبوا الحلقه الثانيه
المقام الثاني وفيه عدة فصول
فصل صراع جنود الرحمن مع جنود الشيطان

و نسالكمـ الدعاء

الاثنين، 4 فبراير 2013

الفرق بين ثقافة بلاد المسلمين وثقافة بلاد الغرب

الفرق بين ثقافة بلاد المسلمين وثقافة بلاد الغرب

كلمة للسيد كمال الحيدري مقتطفة من دروسه في بحث الخارج